حسن بن عبد الله السيرافي
274
شرح كتاب سيبويه
قال سيبويه : " وإنما جعل في الزمان أقوى ؛ لأنّ الفعل بني لما مضى منه وما لم يمض ، ففيه بيان متى وقع كما أنّ فيه بيانا أنه قد وقع المصدر " . وقد ذكرنا قوة الزّمان في باب الظروف على المكان وأن في الفعل بيانا لزمان محصّل من ماض أو غيره ، كما أن فيه دليلا على مصدر بعينه من بين المصادر . قال سيبويه : " والأماكن لم يبن لها فعل ، وليست بمصادر أخذ منها الأمثلة " . يريد أن الأماكن ليست بمنزلة الظروف من الزمان ، ولا بمنزلة المصادر . قال سيبويه : " والأماكن إلى الأناسيّ ونحوهم أقرب ؛ ألا ترى أنهم يختصونها بأسماء كزيد وعمرو ، في قولهم : " مكّة " و " عمان " ونحوهما " . يعني أنهم يلقّبون الأماكن ولا يلقّبون الأيام لقبا ينفرد به يوم بعينه من بين سائر الأيام ، كما انفردت مكّة عن سائر المدن بهذا الاسم ، ويوم السبت ، والجمعة ، ونحوه لكل يوم وقع في الأسبوع ذلك الموقع وإنما أراد سيبويه قوّة ظروف الزّمان وشدة إبهامها . ثم قال : " ويكون فيها خلق لا تكون لكل مكان ولا فيه كالجبل والوادي والبحر . والدهر ليس كذلك ، والأماكن لها جثّة ، وإنما الدهر مضيّ الليل والنهار ، فهو إلى الفعل أقرب " . يريد أن الأماكن فيها خلق ثابتة مختلفة كاختلاف الناس وثباتهم ، وهي جثث كما أن الناس جثث . والدّهر جزء منه يبقى ولا يثبت ، وليس فيه خلق مختلفة ، وإنما هو الليل والنهار يتكرّران ويعودان بساعاتهما ، ويقرب من الفعل بأشد من قرب المكان ؛ لأن الفعل أيضا إنما هو حركات تتقضّى كتقضّي الزمان ، وإنما أعني بالفعل هاهنا ما عناه النحويون ، دون الفعل الحقيقي ؛ لأن العالم إنما هو فعل اللّه تعالى أحدثه وخلقه ، وإنما أعني اللفظ بفعل ويفعل ، وذلك أنّ الإنسان إذا كان في حال فعل ، فقلنا إنه يفعل الآن ، لم يثبت على هذا أكثر من وقت واحد حتى يصير إلى أن تقول فعل ، فحال الفعل متقضّية غير ثابتة كالزّمان ، فاعرف ذلك إن شاء اللّه تعالى . هذا باب الفاعل الذي يتعدّاه فعله إلى مفعولين فإن شئت اقتصرت على المفعول الأوّل ، وإن شئت تعدّى إلى الثاني كما تعدّى إلى الأول . " وذلك قولك : أعطّى عبد اللّه زيدا درهما " ، و " كسوت بشرا الثّياب الجيادّ " ومن